ابن الأثير

371

الكامل في التاريخ

وشهر [ 1 ] تقريبا . وهذا دأب الدنيا لم تعط إلّا واستردّت ، ولم تحل إلّا وتمرّرت ، ولم تصف إلّا وتكدّرت ، بل صفوها لا يخلو من الكدر وكدرها قد يخلو من الصفو . نسأل اللَّه تعالى أن يقبل بقلوبنا إليه ويرينا الدنيا حقيقة ، ويزهدنا فيها ، ويرغبنا في الآخرة ، إنّه سميع الدعاء قريب من الإجابة . ولمّا وصلت البشارة إلى بغداد بذلك ضربت البشائر بها عدّة أيّام ، وزيّنت بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا حدّ عليه . وسيّرت الخلع مع عماد الدين صندل ، وهو من خواصّ الخدم المقتفويّة والمقدّمين في الدولة لنور الدين وصلاح الدين ، فسار صندل إلى نور الدين وألبسه الخلعة ، وسيّر الخلعة التي لصلاح الدين وللخطباء بالديار المصريّة ، والأعلام السود ، ثمّ إنّ صندلا هذا [ 2 ] صار أستاذ دار الخليفة المستضيء بأمر اللَّه ببغداد ، وكان يدري الفقه على مذهب الشافعيّ ، وسمع الحديث ورواه ، ويعرف أشياء حسنة ، وفيه دين ، وله معروف كثير ، وهو من محاسن بغداد . ذكر الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنا في هذه السنة جرت أمور أوجبت أن تأثّر نور الدين من صلاح الدين ، ولم يظهر ذلك . وكان سببه أنّ صلاح الدين يوسف بن أيّوب سار عن مصر في صفر من هذه السنة إلى بلاد الفرنج غازيا ، ونازل حصن الشّوبك ، وبينه وبين الكرك يوم ، وحصره ، وضيّق على من به من الفرنج ، وأدام القتال ،

--> [ 1 ] وشهرا . [ 2 ] هذا صندل .